رمــضـــان شـــــــــهـــر الــقـــرآن
ومدرسة سباق، وأخلاق، وأرزاق


د. محمد محمود كالو


فتحت جامعات الأخلاق قاعاتها، وأكاديميات الإيمان أبوابها، ومدارس الصيام صفوفها، ورياض الذكر بدأت في استقبال زوارها، فدخل العبَّاد والزهاد وأهل الجهاد، من الصائمين والقائمين وقراء القرآن، والمنفقين والقانتين والركع السجود، ليجمعوا أمرهم، ويغسلوا أدرانهم، ويطهروا أجسادهم، ويرمضوا ذنوبهم، ويرضوا ربهم، ويسعدوا بدينهم في موسم الطاعات ومنهل الخيرات.

إن شهر رمضان فرصة الزمان، وشهر الكتب السماوية والقرآن قبل أن يكون شهر الصيام، قال الله تعالى:﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة: 185].

فعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضت من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة مضت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشر خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان". [رواه الطبراني في "الكبير"، وأحمد في المسند].

وللقرآن في رمضان مزايا خاصة، فعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: كان رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِى رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِى كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.

وقرن النبي صلى الله عليه وسلم جامعاً بين الصيام والقرآن وذكر أنهما يشفعان للعبد يوم القيامة، فعن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ؛ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ؛ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ".[أخرجه أحمد في المسند].

وها هي الأيام تتوالى والليالي تتسارع، الزمن يدور والحياة تسير، من عام إلى عام تنقل الإنسان وتحمل لنا البشرى بقدوم شهر رمضان، تزيد الصائم من الإيمان وتدفعه إلى البر والاحسان، و تأخذه إلى الرحمة والغفران وترشده إلى العتق من النيران..

عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمًا وَحَضَرَ رَمَضَانُ : " أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرُ بَرَكَةٍ ، فِيهِ خَيْرٌ يُغَشِّيكُمُ اللَّهُ فِيهِ ، فَتَنْزِلُ الرَّحْمَةَ ، وَتُحَطُّ الْخَطَايَا ، وَيُسْتَجَابُ فِيهِ الدُّعَاءُ ، فَيَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى تَنَافُسِكُمْ ، وَيُبَاهِي بِكُمْ مَلائِكَتَهُ ، فَأَرُوا اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرًا ، فَإِنَّ الشَّقِيَّ مِنْ حُرِمَ فِيهِ رَحْمَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ "[مسند الشاميين للطبراني: رقم 2196].

ويقول الحسن البصري رحمه الله: إن الله جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا! فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون! ويخسر فيه المبطلون!! 

نعم فالجنة مفتحة، والنيران مغلقة، والشياطين مصفدة، والحسنات مضاعفة، نفحات يجب أن نستعد لها ورحمات يجب أن نتأهب لها، فالإنسان لا يقبل على حدث إلا ويستعد له؛ فالطالب حين يقترب الامتحان تراه يستعد، والمقبل على زواج تراه يستعد، والذي يبغي سفراً يستعد له، فالاستعداد أمر فطري، وجميع المسلمين يستعدون لدخول شهر رمضان من العام إلى العام.

فكم نعرف أناسًا كانوا معنا في رمضان الماضي وليسوا معنا في عامنا هذا، وكم ممن أمل أن يصوم هذا الشهر فخانه أمله فصار قبله إلى ظلمة القبر: 

كم كنتَ تعرف ممن صام في سلف ** من بيـن أهل وجيـران وخلان
أفناهم الموت واستبقاك بعدهم ** حياً فما أقرب القاصي من الداني

واسمع إلى معلى بن الفضل وهو يقول: كانوا "يعني الصحابة رضوان الله عليهم" يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم. 

وقال يحيى بن أبي كثير: كان من دعائهم: "اللهم سلمني إلى رمضان، اللهم سلم لي رمضان، وتسلمه مني متقبلاً." 

والدعاء ببلوغ رمضان، والاستعداد له سنة عن النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ فقد روى الطبراني عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه كان إذا دخل رجب قال: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان".

فإذا جاء رمضان دعوا الله تعالى: "اللهم بلغنا ليلة القدر"، فإذا جاءت ليلة القدر سألوا النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءت ليلة القدر ماذا نقول فيها، كما جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت قلت: يا رسول الله أرأيت إن علمتُ أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال قولي: "اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني" [قال الترمذي: حديث حسن صحيح].

كيف لا وهو شهر العفو! والعفو من الأعمال التي أجرها على الله، قال الله تعالى: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَح َفَأَجْرُهُ عَلَى الله ﴾ [الشورى:40] فلم يحدد الأجر والثواب.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب فإن سابه أحد، أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم" [رواه البخاري ومسلم].

وعندما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة منتصرًا، جلس صلى الله عليه وسلم في المسجد، والمشركون ينظرون إليه، وقلوبهم مرتجفة خشية أن ينتقم منهم، أو يأخذ بالثأر قصاصًا عما صنعوا به وبأصحابه. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم.. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء...) [سيرة ابن هشام].

وقال ابن رجب في كتابه "لطائف المعارف": "وعامة صيام الناس لا يجتمع في صومه التحفظ كما ينبغي". يقول هذا وهو ابن القرن الثامن الهجري، فكيف بزماننا!

وقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى: "إِذَا صُمْتَ فَلْيَصُمْ سَمْعُكَ وَبَصَرُكَ وَلِسَانُكَ عَنِ الْكَذِبِ، وَدَعْ عَنْكَ أَذَى الْخَادِمِ، وَلْيَكُنْ عَلَيْكَ سَكِينَةٌ وَوَقَارٌ، وَلا تَجْعَلْ يَوْمَ صَوْمِكَ وَيَوْمَ فِطْرِكَ سَوَاءً ".

وطلب أحد الصالحين من خادم له أن يحضر له الماء ليتوضأ، فجاء الخادم بماء، وكان الماء ساخنًا جدًّا، فوقع من يد الخادم على الرجل، فقال له الرجل وهو غاضب: أحرقْتَني، وأراد أن يعاقبه، فقال الخادم: يا مُعَلِّم الخير ومؤدب الناس، ارجع إلى ما قال الله تعالى، قال الرجل الصالح: وماذا قال تعالى؟! قال الخادم: لقد قال تعالى: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾ قال الرجل: كظمتُ غيظي قال الخادم: ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾ قال الرجل: عفوتُ عنك، قال الخادم: ﴿ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ قال الرجل: أنت حر لوجه الله!

إن الصوم نصف الصبر، والصبر نصف الإيمان، والإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، والصبر من الأعمال التي أجرها بلا حساب! قال الله تعالى:﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10]. 
قال العلماء: يغرف لهم من الحسنات غرفاً. 

والصائم يصبر على الجوع والعطش وحقه من زوجته في نهار رمضان، ويصبر على الطاعة فيصلي ويزكي ويقرأ القرآن ويصل الرحم، ويصبر عن المعصية فلا يرتكبها، والصيام نفسه من الأعمال التي أجرها على الله وحده. 
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" [رواه الشيخان] لم يحدد الأجر.

وعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا وقف العباد للحساب ينادي منادٍ ليَقُمْ من أجره على الله؛ فليدخل الجنة، ثم نادى الثانية، ليقم من أجره على الله، قالوا: ومن ذا الذي أجره على الله؟ قال: العافون عن الناس، فقام كذا وكذا ألفاً، فدخلوا الجنة بغير حساب " [البيهقي في شعب الإِيمان].
فالصوم إذن عفو وصبر، مضمار سباق، وجامعة أخلاق، وفوق كل ذلك سعة في الأرزاق حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم عن شهر رمضان: " وشهر يزداد فيه رزق المؤمن " [رواه ابن خزيمة في صحيحه]

أخي الصائم: إن الصائم في ديار المسلمين حالياً في حاجة ماسة لهذا السباق، وهذه الأخلاق، وخاصة بعد انتشار الظلم والقمع وازدياد الفقر والأذى، وأن يكون العفو في موضعه الصحيح؛ لا يجرح كرامة مظلوم؛ ولا يسوغ لظالم؛ ولا يمهد لطاغية؛ ولا يمرر لمستبد، وأن يكون الصبر صبر الاستعلاء لا صبر الاستسلام، صبر النهوض لا صبر القعود، صبر العمل والأمل لا صبر الخمول والكسل، فصوموا واصبروا واصفحوا وتسامحوا وتصالحوا؛ تجبروا وتصحُّوا وترزقوا وتُنصروا وتفلحوا.

اللهم تقبل منا الصيام والقيام وقراءة القرآن، وأدخلنا الجنة من باب الريان، وأعتق رقابنا من النيران، يا أرحم الراحمين.. آمين.