كتاب: جملٌ من أصول الألفات

لأبي عبد الله محمَّد بن شُرَيْح الأندلسي ت476هـ

دراسة وتحقيق د. عبد الله الطويل

 

إنَّ من أبرز مشكلات اللُّغة العربية وأكثرها تشعُّبًا في مباحثها مشكلة الهمزة، إذ شغلت الجزء الأكبر من كتب القراءات واللُّغة؛ ويرجع ذلك إلى الاختلاف في ماهيَّتها وفي علاقاتها مع غيرها، ودليل ذلك تباين آراء العلماء فيها قديمًا وحديثًا؛ لما في تمييزها من جهد كبير على الدَّارس.

وقد جاءت رسالةُ أبي عبد الله محمَّد بن شُريح الرُّعيني (ت476هـ) (جُملٌ من أُصولِ الأَلفاتِ) لتوضِّح جانبًا من صور الهمزات واستعمالها الصَّحيح بأسلوب رائقٍ مُهذَّب، وهذه الرِّسالة ـ على صغر حجمها ـ مُفيدةٌ؛ لأنَّها تناولت موضوعًا في غاية الأهميَّة، كما تُعدُّ حلقةً مُهمَّةً من حلقات التَّأليف في هذا الفن، وأثرًا لعالمٍ جليلٍ شهدت له الدِّراسات القرآنيَّة بالاحترام والتَّقدير، وإخراج هذه الرِّسالة إلى النُّور إضافة مهمَّة إلى الدَّراسات اللُّغويَّة والقرآنيَّة.

موضوع الكتاب.

إنَّ من أهمِّ المسائل المشكلة في لغتنا العربيَّة مشكلة الهمزة، فبالرغم من صِغر حجمها ـ شكلاً ـ إلَّا أنَّ مسائلها كثيرة حتَّى إنَّها قد شغلت الجزء الأكبر من كتب اللُّغة، والنَّحو، والصَّرف، والقراءات، إضافة إلى ذلك اختلاف صورها في الكتابة، حتَّى إنَّ المتمرِّسين في العربيَّة يتريَّثون قبل كتابتها لمعرفة الصُّور الَّتي ستكون عليها، وقد يقعون في الزَّلل من حيث لا يدرون، وما ذلك إلَّا لصعوبتها، وتعدد صورها والتواء مسالكها . 

إنَّ موضوع (الألفات) من الموضوعات المهمَّة، الجديرة بالبحث والدِّراسة، فقد درج علماؤنا القدماء ـ رحمهم الله ـ على إطلاق (الألف) على الهمزة، على اعتبار أنَّ تسمية الهمزة حديثة بالنِّسبة لهم، فلم تأتِ إلَّا في عصورٍ لاحقةٍ ـ كما سيأتي ـ، وهم يعرفون الفرق بين الصَّوتين بسليقتهم اللُّغوية وببداهتهم التي لم يعتورها لحنُ الأعاجم، واختلاط اللُّغات الأخرى.

ومشكلة الالتباس بين الهمزة والألف بدأت منذ بداية الخطِّ العربي، الذي بدأ مُضطربًا ـ ككلِّ البدايات ـ فلم تُغطِّ رموزه جميع أصوات العربيَّة، واكتفى برمز الألف دليلاً على صوتي الألف اللَّينة الَّتي هي مَدةٌ، والهمزة التي هي عبارة عن ألِفٍ مُتحرِّكةٍ زِيد الضَّغط عليها فانهمزت، إلى أن وضع الخليل علامات الضَّبط والشَّكلِ على الحروف. 

لقد اقتبس العربُ خطَّهم من النَّبط، نظرًا للاتصال المباشر بهم في رحلاتهم المتواصلة إلى الشَّام، وقد انتشر هذا الخط بداية بين الحجازيين، ولا سيما قبيلة قريش، وكانت الألِف في أصل الخطِّ النَّبطي هي رمز الهمزة، غير أن الحجازيين لم يكونوا يهمزون في كلامهم، فقد قال أبو زيد الأنصاري (ت214هـ): " أهلُ الحجاز وهذيل وَأهلُ مَكَّة وَالمَدينَة لَا ينبرون. وقف عَلَيْهَا عِيسَى بن عمر فَقَالَ: مَا آخذ من قَول تَمِيم إلَّا بالنَّبر وهم أَصْحَاب النَّبر، وأهلُ الحجاز إِذا اضطروا نبروا. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عمر الهذلي: (قد توضيت) فَلم يهمز وحوَّلها يَاء، وكذلك ما أشبه هذا من باب الهَمْز".

ونقل الزَّركشي عن ابن عبد البر في كتابه التَّمهيد:"  قَوْلُ مَنْ قَالَ: نَزَلَ [القرآن] بِلُغَةِ قُرَيْشٍ مَعْنَاهُ عندي في الأغلب؛ لأنَّ لغةً غير قريشٍ موجودةٌ في جميع القرآن مِنْ تَحْقِيقِ الهَمْزَةِ وَنحوِها وقُريشٌ لَا تَهْمِزُ".

وإذا كان أهلُ الحجاز لا يهمزون في كلامهم فإنَّنا نجد رمز الهمزة القديم وهو الألف يختفي من الكتابة في غير أوَّل الكلمة مُطلقًا؛ مثل: اسد، واحمد، واذن، أو في وسطها أو آخرها إذا كانت الهمزة مفتوحة وقبلها مفتوح؛ مثل: سال، وملا؛ وذلك لأنَّ انتشار الخط في الحجاز تمَّ على نطاقٍ واسعٍ، فكان يترتب على تركهم الهمز نشوء حركات طويلة.